·

الصحّة الجيدة لا تعني الجسم المعافى فحسب، فالشخص المعافى يجب أن يتمتّع بالصحة العقلية والنفسية أيضاً. وبالتالي يكون قادراً على التفكير بوضوح، وعلى حل المشكلات المختلفة التي يواجهها في حياته، وأن يتمتع بعلاقات جيّدة مع أصدقائه وزملائه في العمل والأسرة، وأن يشعر بالراحة والطمأنينة وأن يحمل السعادة إلى الآخرين في المجتمع. وهذه النواحي الصحيّة هي التي يمكن أن تعتبر صحة نفسية.

ومع أننا نتحدّث عن النفس والجسم كما لو أنّهما منفصلان، إلا أنّهما وجهان لعملة واحدة في الواقع. فهما يتشاركان الكثير من الأشياء، لكن يعرض كل منهما وجهاً مختلفاً أمام العالم المحيط بنا. وإذا تأثّر أحدهما بطريقة ما، فسيتأثر الآخر بالتأكيد. ولا يعني مجرّد تفكيرنا بالنفس والجسد بشكل منفصل أن أحدهما منفصل عن الآخر.
النفس يمكن ان تمرض مثلما يمكن أن يمرض الجسم. ويمكن أن يسمّى ذلك الاضطراب النفسي: “أي حدث أو حالة يتعرّض لها شخص ما وتؤثر على عواطفه أو أفكاره أو سلوكه بحيث لا تتوافق مع معتقداته الثقافيّة وشخصيّته، وتؤدي إلى تأثير سلبي على حياته وحياة عائلته والمحيطين به”

يشمل الاضطراب النفسي مجموعة واسعة من المشكلات الصحيّة. لكن يعتقد معظم الأشخاص أنّ الاضطراب النفسي يرتبط باضطرابات سلوكيّة حادّة مثل العنف والهياج، واتباع سلوك جنسيّ غير ملائم. وترتبط مثل هذه الاضطرابات عادةً باضطرابات نفسية حادّة. غير أنّ الغالبية العظمى من المصابين باضطراب نفسي تتصرّف بشكل غير مختلف عن أي واحد منّا وتبدو مماثلة لنا. تشمل هذه المشكلات النفسية الشائعة: الاكتئاب والقلق والمشكلات الجنسيّة والإدمان.

لماذا القلق من الاضطراب النفسي؟

هناك أسباب كثيرة تدفع إلى القلق من الاضطرابات النفسية:

• لأنها تصيبنا جميعاً: إنّ خُمس البالغين يصابون بمشكلة في الصحة النفسية في أثناء حياتهم. ويظهر ذلك بمقدار شيوع المشكلات الصحيّة النفسية. ويمكن أن يعاني الجميع مشكلة في الصحة النفسية.
• لأن الاضطراب النفسي يؤدي إلى وصمة العار: لا يعترف معظم الأشخاص المصابين بمشكلة صحية نفسية بذلك. فغالباً ما يمارس المجتمع والأسرة التمييز ضد المصابين باضطراب نفسي، ولا يتعاطف العاملون الصحيون معهم.
• لأنها عبء صحيّ عام كبير: تكشف الدراسات في كل أنحاء العالم تقريباً أن نحو 40 بالمئة من كل البالغين الذين يتلقون خدمات الرعاية الصحيّة العامّة يعانون أحد أنواع الاضطرابات النفسية. وكثير من الأشخاص الذين يتردّدون على خدمات الرعاية الصحيّة العامّة أو المجتمعيّة يسعون للحصول على مساعدة لأسباب صحيّة جسدية غامضة، يمكن تسميتها (نفسيّة جسدية) أو أي شيء مماثل. وكثير منهم يعانون في الواقع مشكلة صحية نفسية.
• لأنّها تحدث عجزاً حادّاً: على الرغم من أن الاعتقاد الشعبيّ هو أن الاضطرابية النفسية أقل خطراً من الاضطرابات الجسدية، إلا أنّها تحدث في الوقع عجزاً حادّاً. ويمكن أن تتسبّب بالموت أيضاً، نتيجة الانتحار أو الحوادث. ويعاني بعض الأشخاص اضطراباً نفسياً واضطراباً جسدياً؛ ويمكن أن يزيد الاضطراب النفسي عند هؤلاء الأشخاص عواقب الاضطراب الجسدي سوءاً. (وجد تقرير الصحّة العالميّة الصادر عن منظّمة الصحّة العالميّة في العام 2001 أن الاضطرابات النفسية تشكّل أربعاً من أكثر عشر حالات مسبّبة للعجز في العالم. والاكتئاب هو الاضطراب المسبب الأكثر للعجز، ويتقدّم على فقر الدم والملاريا والمشكلات الصحيّة الأخرى كافّة).
• لأن الخدمات الصحيّة النفسية غير كافية: هناك نقص حادّ في الأطباء النفسانيين، وعلماء النفس، وغيرهم من اختصاصيّ الصحّة النفسيّة في معظم البلدان. ويمضي هؤلاء الاختصاصيّون معظم وقتهم في رعاية أشخاص يعانون اضطرابات نفسيّة حادّة (حالات الذُهان). وهذه نادرة جدّاً، لكنّها أيضاً الاضطرابات نفسها التي يربطها المجتمع بالاضطراب النفسي. غير أن معظم الأشخاص المصابين بأنواع المشكلات الصحيّة الأكثر شيوعاً، مثل الاكتئاب أو المشكلات الكحوليّة، لا يستشيرون اختصاصيّ الأمراض النفسية. وكثيراً ما لا يتعاطف العاملون الصحيّون العامّون بشكل مثاليّ مع أصحاب هذه المشكلات.
• لأنّ مجتمعاتنا تتغيّر بسرعة: تشهد العديد من المجتمعات في كل أنحاء العالم تغيّرات اقتصاديّة واجتماعية مثيرة. ويتغيّر النسيج الاجتماعيّ نتيجة للتغيّر السريع ونموّ المدن، والهجرة، وتوسّع انعدام المساواة في الدخل، وارتفاع مستويات البطالة والعنف. وترتبط هذه العوامل كلّها باعتلال الصحة النفسية.
• لأن الاضطراب النفسي يمكن معالجته ببساطة وبطريقة غير مكلفة نسبيّاً: صحيح أنّ بعض الاضطراب النفسية لا شفاء منه، لكنّ العديد من الأمراض الجسدية، مثل السرطان وداء السكّري وارتفاع ضغط الدم والتهاب المفاصل، لا يمكن علاجها أيضاً. مع ذلك يمكن عمل الكثير لتحسين نوعيّة حياة الذين يعانون هذه الحالات، وينطبق الأمر نفسه على الاضطراب النفسي.

أهمية الصحة النفسية

يُعد الحفاظ على الصحة النفسية وسلامتها أمراً مهماً لعيش حياة هانئة، حيث إن اضطرابات الصحة النفسية تعوق صاحبها من عيش حياة فضلى، وتتأثر الصحة النفسية بالعوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والبيولوجية، والبيئية.
صفات الأشخاص الأصحاء نفسياً
• القدرة العامة على التكيُّف.
• القدرة على إرضاء الذات.
• القدرة على تفاعل الشخص مع واقعه بشكل سليم.
• الكفاية والقدرة العقلية.
• التحكم في الدوافع والعواطف.
• التحكم في الصراع النفسي والإحباط.
• بناء علاقة سليمة مع الآخرين.
• الاستقلال الذاتي.
• المفهوم السليم حول الذات.
• سلامة العواطف والمشاعر وإيجابيتها.
• التحكم في التعبير عن الأفكار والتكامل فيما بينها.
أنواع الاضطرابات النفسية
للكشف عن الاضطراب النفسيم وتشخيصه، علينا أن نعتمد كلياً على ما يبلغنا به الناس. والأداة الرئيسية للتشخيص هي إجراء مقابلة مع الشخص المعنيّ (انظر الفصل الثاني). فالاضطراب النفسي يحدث أعراضاً يلاحظها الذين يعانونه او القريبون منهم. وهناك خمسة أنواع رئيسية من الاعراض:
• جسدية / الأعراض الجسدية. وهذه تؤثّر على الجسم والوظائف الجسدية، وتشمل الآلام والتعب واضطراب النوم. ومن المهمّ تذكّر أن الاضطرابات النفسية تنتج أعراضاً جسدية في الغالب.
• انفعالية / الأعراض العاطفية. الأمثلة النموذجيّة هي الشعور بالحزن أو الخوف.
• فكريّة / الأعراض (الادراكية). من الأمثلة النموذجيّة التفكير في الانتحار، والاعتقاد بأنّ أحدهم سيؤذينا، وصعوبة التفكير بوضوح، والنسيان.
• سلوكيّة / الأعراض السلوكيّة. تتعلّق هذه الأعراض بما يقوم به المرء. وتشمل التصرّف بطريقة عدوانيّة ومحاولة الانتحار.
• التخيُّل / الأعراض الإدراكية. تنشأ هذه من أحد أعضاء الحواس وتشمل سماع الأصوات أو مشاهدة أشياء لا يستطيع أن يراها الآخرون (هلوسات). وترتبط هذه الأنواع المختلفة من الأعراض في الواقع ارتباطاً وثيقاً بعضها بالبعض الآخر. أنظر مثلاً الأشكال عن كيفية حدوث أنواع الأعراض المختلفة لدى الشخص نفسه.

 

 

المصادر والمراجع

  • (كتاب الصحة النفسية للجميع حيث لا يوجد طبيب نفسي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *